المقريزي
26
إمتاع الأسماع
فولدت له غلاما فمات ، فخرج أبو طلحة إلى حاجته ، فلما كان من الليل جاء أبو طلحة فأتته امرأته بجفنته ( 1 ) التي كانت تأتيه بها ، ثم طلب منها ما يطلب الرجل من امرأته ، ثم قال : ما فعل ابني ؟ . فقالت : يا أبا طلحة ما رأيت كما فعل جيراننا هؤلاء ؟ أنهم استعاروا عارية فجاء أصحابها يطلبونها ، فأبوا أن يردوها عليهم . قال : بئس ما صنعوا قالت : فأنت هو ، كان ابنك عارية من الله عز وجل ، وأنه قد مات ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم بارك لهما في ليلتهما ، فتلقت فولدت غلاما ، فقال : عباية لقد رأيت لذلك الغلام سبعة بنين كلهم قد قرأ القرآن . قال البيهقي ( 2 ) : ورواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك موصولا ( 3 ) .
--> ( 1 ) كذا في ( الأصل ) ، وفي ( دلائل البيهقي ) : " بتحفته " . وأخرجه البخاري أيضا في كتاب الجنائز ، باب ( 41 ) من لم يظهر حزنه عند المصيبة ، وقال محمد بن كعب القرظي : الجزع القول السئ والظن السئ . وقال يعقوب عليه السلام : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) حديث رقم ( 1301 ) قال الحافظ في ( الفتح ) : وفي قصة أم سليم هذه من الفوائد أيضا جواز الأخذ بالشدة وترك الرخصة مع القدرة عليها ، والتسلية عند المصائب ، وتزين المرأة لزوجها ، وتعرضها لطلب الجماع منه ، واجتهادها في عمل مصالحه ، ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها ، وشرط جوازها أن لا تبطل حقا لمسلم . وكان الحامل لأم سليم على ذلك المبالغة في الصبر والتسليم لأمر الله تعالى ، ورجاء إخلافه عليها ما فات منها ، إذ لو أعلمت أبا طلحة بالأمر في أول الحال تكند عليه وقته ، ولم تبلغ الغرض الذي أرادته ، فلما علم الله صدق نيتها بلغها مناها ، وأصلح لها ذريتها . وفيها إجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن من ترك شيئا عوضه الله خيرا منه ، وبيان حال أم سليم من التجلد وجودة الرأي وقوة العزم . وقد كانت أم سليم تشهد القتال ، وتقوم بخدمة المجاهدين إلى غير ذلك مما انفردت به عن معظم النسوة . ( 2 ) ( دلائل البيهقي ) : 6 / 198 - 200 ، باب ما جاء في دعائه صلى الله عليه وسلم بالبركة لحمل أم سليم من أبي طلحة . ( 3 ) هو الذي كناه النبي صلى الله عليه وسلم بأبي عمير ، فكان صلى الله عليه وسلم يمازحه بقوله : أبا عمير ! ما فعل النغير ؟ وسبق شرح ذلك الحديث مستوفي .